محمد الغزالي

361

فقه السيرة ( الغزالي )

« ويحكما ! من أمركما بهذا ؟ » قالا : أمرنا ربّنا ! ! يعنيان كسرى . . إن تأليه الملوك ضلال قديم ، وبعد أن انتشر الإسلام ذهبت حقيقة التأليه ، ثم عادت الان اثاره وخصائصه ، فالملك يلقّب صاحب جلالة ، ولا يسأل عمّا يفعل ، ويبطل شرائع اللّه ليقيم شرائع الهوى ، ويمتد هو وبطانته لتنكمش أمامهما أمته . ولما سمع النبيّ عليه الصلاة والسلام كلام الرجلين أمرهما أن يعودوا من حيث أتيا إلى والي اليمن ، وقال : « أخبروه أنّ ربّي قد قتل ربّه الليلة » . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد علم قبلهما بمصرع كسرى . وقد وقع الإسلام في قلب والي اليمن ورجاله بعد هذه القصة ، وانتشر انتشارا عظيما في الجنوب بين الطائفتين جميعا من نصارى ومجوس . [ ردّ أمير البحرين ] : وأرسل النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أمير البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام ، ونبذ المجوسية ، حمله إليه العلاء بن الحضرميّ « 1 » وكان ( المنذر بن ساوى ) أمير البحرين رشيدا موفقا ، فرحّب بالدعوة ، وانشرح صدره لقبولها . وقد أبلغ العلاء في ترغيبه وإبراز محاسن الإسلام له : فمما قاله : « . . يا منذر ! إنّك عظيم العقل في الدنيا ، فلا تصغرنّ عن الآخرة ، إنّ هذه المجوسية شرّ دين . . ليس فيها تكرّم العرب ، ولا علم أهل الكتاب ، ينكحون ما يستحيى من نكاحه ، ويأكلون ما يتنزّه عن أكله ، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة . . . ولست بعديم عقل ولا رأي ، فانظر : هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألّا نصدقه ؟ ولمن لا يخون ألّا نأمنه ؟ ولمن لا يخلف ألّا نثق به ؟ .

--> - وابن سعد في ( الطبقات ) : 1 / 2 / 147 ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه مرسلا أيضا ، وسنده صحيح ؛ ووصله ابن بشران في الأمالي من حديث أبي هريرة بسند واه ، وفيه من الطرق الثلاث زيادة كان يحسن إيرادها ، وهي : « لكنّي أمرني ربّي عز وجلّ أن أعفي لحيتي ، وأن أحفي شاربي » . ( 1 ) رواه الواقدي في اخر كتاب ( الردة ) بسنده ، عن أبي حنتمة كما في ( نصب الراية ) للزيلعي : 4 / 419 - 420 .